Social Icons

الجمعة، 19 يوليو 2013

السر وراء القوة النفسية :أهل العزم

السر وراء القوة النفسية :أهل العزم













 ترجمة عبد الرحيم السعدي
السر وراء القوة النفسية :أهل العزم
يستطيع بعض الناس على ما يبدو أن يتجاوزوا المحن بكل ثبات. تنبع هذه القوة النفسية من إصرار مبكر على رسم مخطط للحياة و إيمان يقيني بأنفسهم. و تكتسب هذه العزيمة والقدرةعلى المقاومة من تجارب الحياة, و يزداد عودها صلابة بفعل مؤثرات خارجية محددة. 


شعور نبيل:إيمان بغد مشرق لا يتزحزح قيد أنملة.
تسلقت ليزا السقالة, فقدت التوازن تم سقطت بقوة على أرضية الملعب الصلبة. وقفت أمها على الحافة وراحت ترمق جسدها من دون أي رد فعل. لولا بعض النسوة، اللائي أسرعن نحوها وشرعن في تضميد جراح الطفلة المسكينة لأصابتها بضرر بليغ .  لم تحمل ليزا ضغينة تجاه أمها, لكون هذه الأخيرة مصابة باكتئاب حاد, بل جعل منها خلافا للمتوقع تلميذة نجيبة, حيث استطاعت أن تتجاوز امتحان البكالوريا, وتأسر قلوب زميلتها بشخصيتها المحبوبة. أكثر من ذلك شرعت في دراسة الطب في سن لا يتجاوز19.
يطلق علماء النفس اسم القدرة على التحمل للدلالة على هذه القدرة النفسية على المقاومة, التي تمكن أناسا من تجاوز المحن بكل ثبات. فقد تؤدي بداية مؤلمة في الحياة, مثل قضاء الطفولة في دار الأيتام أو العيش مع أبوين يعانون مرضا نفسيا إلى مسار متألق و النجاح في الحياة.هذا ما توصلت إليه الأبحاث عن القدرة على التحمل , التي أدهشت العلماء المشرفين على دراسة مانهايم(Mannheimer Studie)  لما يسمى الأطفال المعرضين للخطر, إذ بالرغم من تجاربهم الأليمة في الحياة مثل:الفقر,مشاكل عائلية حادة, إدمان الأب على الكحول, معاناة الأم الطويلة مع الاكتئاب أو التعرض للإهمال أو العنف, لم تنعكس سلبا على مسار كل الأطفال, بل كانت النتيجة عكسية في عدة حالات.
يعتبر اليوم هانس ألاف هنكل) ( Hans-Olaf Henkelأيقونة الارستقراطيين ببلده. لم يترب في إقامة راقية لإحدى الدبلوماسيين , بل عاش طفولة شقية في دار للأيتام. كذلك عاش المستشار الألماني السابق جيرارد شغودا  (Gerhard Schröder) يتيم الأب وترعرع في كنف أسرة من أفقر الفقراء. عمل حرفيا في مصنع للحديد, و كان بمجرد ما ينتهي من العمل يعكف على الدراسة في إطار تكوين مسائي يخول لمن ترك المدرسة أن يجتاز امتحان البكالوريا, فكان له ما أراد وتقدم للجامعة محققا نتائج لامعة, ليقوده طموحه بعد ذلك إلى مرتبة رفيعة في  سدة حكم الجمهورية الفدرالية الألمانية.
السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف تمكنت هذه النماذج في ظل ظروف قاسية من صقل شخصيتهم بمثل هذه العزيمة.
الفاعلية الذاتية و التخطيط للحياة.
من بين ما أفادت به ملاحظات العلماء, أن الأطفال ذوي القدرة على التحمل يتمتعون في مرحلة الصغر مقارنة بآخرين ,بقابلية كبيرة على التأقلم و ربط علاقات, إضافة إلى اتزانهم عاطفيا و شعورهم الغامر بالسعادة.و مع تقدمهم في الحياة يتفاعلون بنشاط مع محيطهم كما أنهم يخضعون تصرفاتهم للعقل, ويتمتعون بحس واضح من المسؤولية. إنهم يمتلكون الإرادة لصنع حياتهم ويؤمنون يقينا بإمكانية ذلك.
يعتقد بعض الأخصائيين النفسيين أن تحلي أناس بميزة العزيمة يرجع إلى تفاعلهم الايجابي مع نفسيتهم. بعبارة أخرى إنهم يؤمنون كثيرا بنجاعة تصرفاتهم و يسلكون درب النجاح باستحقاق, في الوقت الذي يعتبرون الإخفاق مجرد صدفة,علاوة على هذا يتمتعون بمناعة ضد الأزمات, لأن قيمة الإنسان في نظرهم لا ترتبط بالضرورة بتحقيق النجاح أو السقوط في الفشل.
من الصفات التي تميزهم كذلك هي تسطير الأهداف بشكل واقعي يجعلهم على استعداد لاقتناص أية فرصة. وما الصعوبات في قاموسهم إلا تحديات و ما الأزمات بذريعة للعب دور الضحية. عكس ذلك يحافظون على تفاؤلهم في الأوقات العسيرة و لا يترددون في طلب المساعدة, لأن القدرة على التحمل لا تعني إطلاقا أن المرء منزه عن الأخطاء أو انه في مأمن من الشعور باليأس.
 
 قامتا الطبيبتان النفسيتان الأمريكيتان ايما فيرنا (Emmy Werner) و لوت سميث  (Ruth Smith)  بدراسة في سبعينيات و ثمانينيات  القرن الماضي عن ظاهرة القدرة على التحمل, حيت كرستا أربعة عقود في متابعة حياة 698 طفل من مواليد 1955 بجزيرة كواي, من بينهم أطفال عانوا الأمرين منذ لحظة ولادتهم : فقر مدقع , تعليم محدود و إصابة احد الأبوين بمرض نفسي.
المرشد.
مما لاشك فيه أن جزءا ممن يسمون بالأطفال المعرضين للخطر يتحولون إلى مجرمين و مدمني مخدرات, لكن مجموعة منهم تنضج بخصال تؤهلهم ليصبحوا راشدين أكفاء. لقد قاد بحث البروفسور فيرنا و البروفسور سميث الى تحديد مميزات مشتركة الصنف الثاني لدى أهمها: العناية بالمظهر, التفكير الايجابي و الذكاء.  تؤدي هذه العوامل الوقائية إلى ردود فعل ايجابية في محيط هؤلاء الأطفال, إذ باستطاعتهم كما تؤكد دراسة مانهايم(Mannheimer Studie)  , أن يثبتوا وجودهم بفضل خصال صقلت شخصيتهم كالذكاء اللغوي المبكر و امتلاك قارحة للقراءة. الراشدون, الذين يسترعون اهتمامهم هم المربون , المعلمون و الأصدقاء الذين يقدمون لهم السند و العون.
عندما يتمكنون من تدليل الصعوبات, يزداد شعور الاعتبار للذات تأصلا و يتقوى التفاعل الايجابي معها.اضافة الى ذلك يتبلور لديهم في عمر مبكر مخطط للحياة. إن ميولهم نحو كل ما يحمل معنى و فائدة له صلة وصل بقدرتهم على مقاومة الضغط. يتحدث عالم الاجتماع أنتوني فسكي (Antonovsky) عن ما يسمى حس التناغم , اذ مهما تحلى الطفل بصفات ذات مفعول وقائي, فإنها تبقى عديمة الفعالية, إن لم تجد لها سندا من محيط الطفل.
تصطدم البروفسورفيرنا و سميث أثناء دراستهما للأطفال ذوي القدرة على التحمل بخاصية مشتركة مثيرة للدهشة: يرتبطون جميعهم بعلاقة تابثة بشخص يمثل مرجعا لهم. مدرب,معلم أو صديق.لا يجب بالضرورة أن تكون الأم, إنما أي إنسان كان رفيقا مساهما في تطورهم في الحياة. على سبيل المثال ليزا, التي لم تكن باستطاعة أمها أن تعتني بها ,يرجع الفضل لمعلمة الموسيقى  في صقل موهبتها, التي أحاطتها بكثير من الاهتمام, و علمتها كيف على المرء أن يستثمر مؤهلاته.
كيف نتمكن من الحفاظ على معنوياتنا النفسية في حالة فقدان قريب أو التعرض لمكروه ؟ حسب الباحث في ظاهرة القدرة على التحمل جورج بونانو( George Bonnano) يمثل امتلاك شبكة من الأصدقاء فائدة كبيرة. إذ يستطيع من يتمتع بعلاقات صداقة متينة, مثل بعض ضحايا الاعتداء الإرهابي 11 سبتمبر أن يجتاز أصعب المحن بثبات اكبر من الأشخاص الذين يفتقدون لمثل هذه الروابط الاجتماعية.
 تبين دراسة  أجراها علماء نرويجيون أن الرجال الذين يترددون على المعارض الثقافية, يتمتعون بمناعة نفسية أقوى. يطالب خبراء آخرون بتعليم الناشئة هذه الملكة: الرعاية المفرطة و الافتقار إلى القيم النبيلة هي السبب في الإصابة بالاكتئاب و السقوط في اليأس. أكثر من ذلك على المرء أن يعي كيف يستخلص العبر من مشاكله السابقة من اجل أن تساعده في تخطي أزمات أخرى.
علاوة على ذلك أضحى الانضمام إلى النوادي أسلوبا علاجيا محل نقاش. لا يتعلق الأمر بتاتا بالانصهار في الجماعة و بالتالي التخلص من شعور الوحدة, يقول دريس بندا( Doris Bender ) . إن الهدف الرئيسي من وراء ذلك هو التعرف على أشخاص من شانهم مساعدتنا عند الضرورة في ضبط بوصلة حياتنا. نجد في المفكرة اليومية لبعض ذوي القدرة على التحمل أنهم عثروا على ملاذ امن. تلخص هذه العبارة بشكل دقيق الأساليب العلاجية التي يقدمها الدعم الاجتماعي. إن الأمر شبيه بجلسة علاج مجانية, حيث يتحدث المرء بإطناب عن مشاكله النفسية. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 

تعديل

تعديل

تعديل